محمد الغزالي

404

فقه السيرة ( الغزالي )

ومنهم الفقراء الذين شاقهم الجود بأنفسهم في سبيل اللّه ، ثم أعجزتهم الوسائل التي تبلّغهم الميدان ، فسحّت أعينهم الدمع لهذا الحرمان . روي عن ( علبة بن زيد ) أنه قام من الليل يصلّي ، فتهجّد ما شاء اللّه ، ثم بكى ، وقال : اللّهم إنك أمرت بالجهاد ، ورغّبت فيه ، ثم لم تجعل عندي ما أتقوّى به ، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه . . وإنّي أتصدق على كلّ مسلم بكلّ مظلمة أصابني فيها في مال أو جسد أو عرض . وأصبح الرجل - على عادته - مع الناس ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أين المتصدّق هذه الليلة ؟ » فلم يقم أحد ، ثم قال : « أين المتصدّق ؟ فليقم » ، فقام إليه فأخبره . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أبشر ، فو الّذي نفسي بيده ! لقد كتبت في الزّكاة المتقبّلة » « 1 » . وهناك أهل الريبة الذين يلتمسون للفرار الأعذار ، وتقعد بهم كراهيتهم للإسلام عن إسداء أي عون له ، فهيهات أن يعدوا للخروج عدة ، أو يتمنوا للخارجين عودا . ومن أسخف الأعذار التي تمحّلها أولئك القاعدون المنافقون ما قاله الجدّ بن قيس للنبي صلى اللّه عليه وسلم - وقد عرض عليه الجهاد - : يا رسول اللّه ! أو تأذن لي ولا تفتني ؟ فو اللّه لقد عرف قومي أنه ما من رجل بأشد عجبا بالنساء مني ، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ( الروم ) ألا أصبر . فأعرض عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 2 » وفيه نزلت الآية : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ( 49 ) [ التوبة ] .

--> - قال صلى اللّه عليه وسلم بمناسبة جيش العسرة : « ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم » . رواه ابن شاهين ، رقم ( 3 ) ، والحاكم : 3 / 102 ، وغيرهما من حديث عبد الرحمن بن سمرة وصحّحه الحاكم . ووافقه الذهبي ! وله شواهد ذكرها الحافظ ابن كثير في تاريخه : 5 / 6 ، واخر عند ابن شاهين ، رقم ( 61 ) . ( 1 ) صحيح ، ذكره ابن إسحاق في ( المغازي ) بدون إسناد ، وقد ورد مسندا موصولا من حديث مجمع بن حارثة وعمرو بن عوف وأبي عبس ، وعلبة بن زيد نفسه وقتيبة كما بيّنه الحافظ في ( الإصابة ) ، فليراجعها من شاء . ( 2 ) ضعيف ، رواه ابن هشام : 2 / 316 ، عن ابن إسحاق بسنده ، مرسلا ، وكذلك رواه عنه ابن جرير : 2 / 366 - 367 .